Thursday, 31 July 2014

حديث الكذب

حديث الكذب

المقابلة الشخصية

The Interview

الأول أرتدى أكثر ملابسِهِ زيفاً، ونظر بالمرآهِ بنظرة الواثقِ من نفسهِ، وأخرسَ الآلامَ والضعفَ داخله وتنهد. لحظات من الصمت والتركيز ثم عاد ليتمتم بعباراتٍ تحسبها وردٌ يومي يحفظه، ثم يُتبع تمتمته صمتاً آخر ملئ بضعفٍ سرعان ما يكسره لأنه تذكرَ ما كان يخشى نسيانه.
ينتهي من ورده فتبدو على وجهه  آثار التَبَّسُم، ويبدأ من جديد في تمتمته وهو ينزل الدرج، وهو منتظر الحافلة، وهو في يَصَّعَد سُلَمه الذي يتمناه سُلماً للمجد، سُلمه إلى المقابلة الشخصية.

 من زاوية أُخرى، يلبس الثاني زي الإنتماء لنشاطه الأعظم الذي سيغير ملامح المعمورة، ويجهز ورقته ويَصَعَّد نفس السلم ليبدأ تحليل الأنفس والأرواح ظناً منه بنفسه أنه عالمٌ جليلٌ من علماء علم النفس!

يمد نحو النجم كفاً له، هكذا رأى الأول سلامه على محاورِه وبينما تَبَّسُم الثاني يوحي بشطر البيت الثاني ، ويحسب النجم قريب المنال!
يبدأ الثاني المقابلة بإبتسامة مُلقاه، وسؤال تَكراري لإسالة جليدٍ ليس بكائن وإن كان، فما لسؤال كمستعد؟ ليذيبه. يرد الأول بتبسمه الواثق أجل.

يعاود الثاني تبسمه المُلقى، ويبدأ أول سؤالٍ ليرى إن كان المُحاوَر يتقن الإنجليزية، في مجتمعٍ أول رؤى نشاطهم تطويره، في مجتمعٍ نصف شعبه أُمي، في مجتمعٍ بلا لغة بلا هوية قد تخلى عن لسانه العربي وأتقن العامية، نشاطهم هذا الذي هو بكائنٍ بمجتمع كذاك يرى أن إتقانك الإنجليزية أهم معيار عليك التحلي به لتساعد مجتمك. قد تحسب أنه يطلب منك هذا المعيار لأنك ستسافر إلى بلاد الغرب تتعلم علومهم وتأتي لتترجمها، ولكن هيهات! كل ما بهمهم أن صفحاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي يجب أن تكون بالإنجليزية لسبب وجيه أذكره بالعامية عشان ميبقوش بيئة وفلاحين بيكتبوا عربي! ويرد الأول، متناسياً كل شئ فلا يعنيه أهدافهم، بثقة فهو على دراية تامة بأن هذا هو أول سؤالٍ سيوَجَه له،وقد حفظ ما سيقوله عن ظهر قلب. ترجع المحادثة للعامية، وتستمر الأسئلة المكررة بالتكرار، فتحسب من فرط تكرارها كأنها كشروقِ شمسٍ وغروبها. لماذا أخترت هذا النشاط الطلابي؟ فيجيب عن ما رأى منهم من الخير الذي يود أن يشاركهم ثوابه، ويَمن على البشرية أن هداهم وإن كنت لا تلحظ هداً منهم فهم لحظوه وصدقوه فلا ينبغي لك التشكيك به. ولو أن لا كذب بالحياة أو زيفٌ أو نفاق، لقال بنبرة الواثقِ عن صدقٍ لا الواثقِ عن تلقين، فقط لأكتب في السيرة الذاتية أني قد مررت بنشاطكم المُرائي، فأحظى بفرصة عملٍ أو تدريبٍ عند مُرائين آخرين.
يستمع الثاني بصمتٍ وقد جنى ما أراد، وكتب تحليلاته العميقة في ورقته المقدسة، ثم عاود ليسأله ولمَ هذه اللجنة بالذات، في أرضٍ بلا زيفٍ ولا كذبٍ سيقول لأجل أن تكون سيرتي الذاتية مُبَينة لما أتمتع به من فن نفاق البشر،ولكنه سيشرح أهمية تعلم وإكتساب مهارات التعامل مع البشر على إختلافهم وتقبلهم وعليه إذاً أن يحسن من ذاته في تلك الجزئية والتي لايتسنى له تحسينها إلا من خلال نشاطهم المعظم.
قد تظن أن بعد تلك الأسئلة ستنتهي فترة الرتابة والملل، وقد تحسب أن ستمل الأسئلة من تكرارها، بيد أن بعض الظن إثم! سيتحول الحوار إلى حلقة من حلقات أسامة منير، ويسأله محاوِره عن حُلمه، موسيقى تصويرية في الخلفية، يغلق الأول عينيه وينظر إلى السماء في غرفة مُغَلقَّة، قد تحسب من فرط تأثره أنه سيترك العالم أجمع تلبيةً لحلمه، ويقول بنبرةٍ بها شجن وبصوت مخنوق هأسس أول شركة أي حاجة في مصر. لحظة صمت يبكي بها المُحاوِر لأجل أن تذكر أحوال بلده وكم سيساعد حلم هذا الذي أمامه، ويستمر بالحديث معه عن حلمه العظيم، وعن الخطوات التي أداها حتى الآن للوصول لذلك الحلم، ليصمت المُحاوَر لحظة يسترجع بها ما كان يتمتمه، ثم يواصل حديثه عن خطواته التي صاغها بخياله وتبدو من شدة ترابطها أنها قد حدثت بالفعل. مع إستمرار الموسيقى التصويرية، يسأله الثاني شايف نفسك إيه بعد عشرين سنة فيكمل الأول قصته عن حلمه وأنه سيكون بذاك الوقت قد تمكن من تحقيق حلمه ووصلت شركته إلى العالمية.
تتوقف الموسيقى التصويرية أخيراً، ويسأله الثاني عن العيوب التي يراها بنفسه، فيتذكر الأول قول أخيه لا تذكر عيباً خطيراً بك، ولكن أذكر عيباً بسيطاً وكيف تغلبت عليه وأصلحته وكأنه ملاك غيرَ معيوب! وكأن من قال صدقاً عيباً به يعجز عن تغييره هو فقط المعيوب والكاذب، المنافق، المزيف، المخادع، الذي يخفي بنفسه عيوباً قاتله ستظهر حتماً لاحقاً، هو الأصلح!
قد يكتفي المحاوِر بتلك الأسئلة، وقد يكمل أسئلة أخرى سمجة، وقد ترى أسئلة كالتي تنتشر بكل وسائل التواصل الإجتماعي لتعرف شخصيتك، ويظن الثاني أنها كافية ليعرف بواطن شخصية من أمامه، وبكل الأحوال سيجيب الأول بكل ثقةٍ عن أي شئ فقد درس المقابلات الشخصية جيداً وأدرك تماماً ما ينبغي وما لا ينبغي قوله. قد أدرك الأول حقيقة أن ما تلك المقابلات إلا حديثِ كذبٍ عليه     إجتيازه لأجل أن يحظى بفرصة ليثبت بها نفسه لأنه إن آثر الصدق لن ينجيه في مُعتَقَدِه. ينتهي الحديث،ويخبره الثاني أن عليه أن ينتظر عشرة أو عشرين يوماً لأجل أن يعرف نتيجة المقابلة.
 وبعد تلك الفترة من التمحيص الدقيق في كذب المتقدمين وإبراز أكثرهم زيفاً وخداعاً لقبولهم، ينتهي به الحال أن هناك من تفوق عليه بإختيار سيناريو أفضل لحُلمه، وترابط قصته كان مقنعاً أكثر وثقته بنفسهِ المُلقنة أعلى. تظهر علامات الوجوم على الأول، ليس لرفضه فقط ولكن لعدم إدراكه حتى لمَ؟ فهم بالطبع يستنكفوا أن يرسلوا آراءهم لمن رفضوهم، لأجل أن يظهر للمرائين أمثالهم أنهم من فرط إنشغالهم يبدو وكأنهم يعملون على إدارة شئون البلاد وليس بوسعهم إستهلاك ثانية من وقتهم في إرسال آراء مُسجلة عندهم والتي بنوا عليها أحكامهم.

قد ظُلِم الأول وظَلم، وحسب هؤلاءِ أنفسهم آلهةً بإمكانهم شق صدور من أمامهم والوصول لنواياهم، ولأنهم ليسوا إلا بشراً ظَلموا، فمن منهما الجاني؟ أم أن كلاهما وجهٌ واحدٌ لعملةٍ واحدة؟ 

Monday, 28 July 2014

لمَ يا وطن؟


لمَ يا وطن؟

لمَ يا وطن؟
لمَ يا أرضَ السكن؟
لمَ تُزهقُ الروحَ منّا وتترك فينا العَفَن؟
لمَ يا مهد الأمم؟
لمَ تجبّرت علينا الأمم؟
لمَ يا أرض الحمى؟
ما حميتِ سوى العدى؟
لمَ يا أم الدُنى؟
ما بقيتِ ولو أدنى الدُنى؟
لمَ تُبقين الرِمم؟
لمَ تسقين الموتى منّا دماء من حَلِم؟
لمَ تأبين صعود القمم؟
لمَ لم أرى بك غيرَ المِحَن؟
لمَ يا وطن؟
لمَ تثبط الهِمم؟
لمَ تُجهضُ العزمَ فينا وتولِدنا الألم؟
لمَ يا وطن؟
لمَ تفقأ عين من رأي؟
وتُرى لمَ تقطع أُذن من سمع؟
ولمَ تُقَطِع ألسنة من أنَّ وصَرِخ؟
وتُهَشِم رأس من فهم؟
لمَ يا وطن؟

أيا وطن ! أيا وطن
وطن ! أي وطن؟
وطن تباحُ فيه الدماء والسكن؟
لمَ يا وطن أناديك الوطن؟
أالوطن قاتل منّا من حيا؟
أم الوطن جلّاد منّا من رأي؟
أم يا تُرى هو سجّان منّا من علم؟
وذاته الوطن ألا يتَّسع إلا لمن ذُل فينا وأُمتُهِن؟
ويضيق صدراً على من تعَّزز وفَطِن؟

أين الوطن؟ 
ما ليَّ لا أرى وطني هنا.
ما ليَّ لا أرى سوى كافرٍ، ظالمٍ، جائرٍ،جبّارٍ، متجبرٍ، قاتلٍ، سارقٍ،
أيا تُرى أهذا الوطن؟
وبئس الوطن.