Sunday, 6 September 2015

مَفَر

مَفَر
جُدرانٌ غَليظة، تُحيط بي من كل مكان، تتغذى على الفراغ، لا أدري شيئاً عَمَّا بِخارجها وليس بداخلها شئٌ لأدركه. أمضيت عُمراً أنهِش في عمائدِها لعلها تتهاوى، وما كان ليَزيدها ذلك إلا عُتواً وإستكباراً.
لطالما مَنيتُني بالهروب، ولطالما خِلت زُرقة البِحار حولي والسماء تَشُع من فوقي شَفَقاً. لطالما رأيت الأنهار بمنامي، تجري، وأنا على حافتها أغرس قدماي بالزروع، والنَخيل في الأفق تَشُع عُلُواً وأملاً. أتنفس سُكوناً يملأ الأرجاء.
كنت أدرك أني لست بِراحلة، وأن علىّ التَحمُل، وأني سأمِيت دَهرَاً فوق ذاك العُمُر داخلها، وأني وإن نجحت في شَقِها فما خَلفها إلا جُدران أخرى.
وقفت أمام تَجَرُدها، وتأملت، وأنصت للعَويل الدائم وهو يُكرر: وما خلف الجُدران إلا جُدران، فنَكسّت رأسي وأذرَفت من عيناي يأساً، ثم مددت يداي ورسمت عليها الفِرار، رسمت على فَراغِها جَميع مُناي، رسمت عالماً بلاها، ثم تأملت الفراغ يَكسوه المُنى، فأطمأننت. لم أكن أدري حين صَوَّرت الفِرار أمامي، هل للوهم أن يكون المَفَر، ولكني لم أجد لي بُداً غيره.

مَضت ساعاتٌ أتأمل فيها الرَجاء، حتى غَرقت في سُبات، رأيت فيه الجدران تَلتهم المُنى، قمت فَزِعة فرأيت المُنى أمامي يكسوها فراغ.