"قد كنت أدري أن ما أراه يحمل معانٍ لم أكن لأقوَ على تخيل
قدرتها على الإمكان، وكنت في مستقر نفسي، أعلم.."
لم أعد أتذكر من العمر شيئاً بعد إنقضاء آخر حرف. قد
مُحيت جميع الصور عني، وغزا فراغٌ ثكنات صدري وأطاح بما تبقى من عقلي، ولم يبقِ لي
من روح.
وجدت نفسي أمام ورقةٍ وبيدي قلمٌ لم يجف حبره، أسطر، لم
أعرف ما الذي كنت أسطره، وإن كنت قد قرأت أني كنت أدرك وأعلم، فلم أدرِ ما الذي
كنت أدريه ولم أعلم ما الذي كنت أعلمه.
بقيت أردد على مسامعي تلك العبارة مئات المرات، لا بل
مئات الآلاف، وأنا أحدق في الأفق، لعلّي أجد في صداه بقيةً مما تركت، وقد اعتراه
فراغٌ وسكون في صور لم أكن لأعلمها. أسمع صوتي الخافت يردد العبارة، وأسمع في طيها
دقات، كأنها سواع العالم أجمع تدق في أذناي، وكأني أسمع سرعة العالم الجنونية،
والسكون قد سكن كل شئٍ حولي. كأن للسكون حركةً أو صوت أو كلاهما، وكأنه يسري مع
الزمان، وأنا وسط هذا لا أرى أمامي سوى الورقة، والقلم عالقٌ بين أصابعي، تباد
الحروف عنها وتتلاشى في صخب السكون القائم، وأنا أنصت لصوتي المردد وهو يتلاشى في
الفراغ مع الحروف ويخفت.
لم يبق من صدى العبارات من شئ. ولم يبق من الحبر على
الورق من شئ. قد تلاشى كل شئ. إلى فراغ. من حيثُ أجاء.
وأنا أنظر إلى الورق أمامي وهو فارغ، وشفتاي كأنهما
يحاولان إسترجاع جملةٍ لا يعرفانها. وضعت القلم وقد جفّ على الورقة. ومن ثَمَّ جائتني
رُسلٌ من كل حَدَبٍ وصوب، لم أرهم من قبل، أو لعلّني رأيتَهم، ولكني وعلى أية حال
لم أكن أعلمهم.
كلهم. آتيني برسالةٍ واحدة. أن عليّ الفرار.
لم أكن لأقوَ على الفرار، ليس لأي شئٍ إلا لأني لست أدري
من أي شئٍ أفر.
نظرت إليهم جميعاً، ثم نظرت للورقة أمامي، وجلست أمامها
والقلم بين أصابعي، أكتب.
"لم أكن أعلم ما هذا الذي قد أحل بي، وما هذا
الفرار الذي يدعونني إليه، ومن أي شئٍ أفر، ولا لأين المفر. نظرت إليهم جميعاً حتى
أعلم. فلم أعلم"
نهضت، وقمت لمرآتي، فرأيت بها وجهاً لا أعلمه، قد أردت
البكاء كما لم أرد من قبل. أو لعلّني أردت. لا أعلم. لم أدرِ أي سبب لذاك النازع
بالعويل، بالصراخ، بالبكاء. قد تكون هي. وقد لا تكون. وعلى كلٍ لن يعلم ذلك أحد.
ولا هي.
وقفت على الباب وأنا لا أعرف شيئاً عن وجهتي، ولا عن
السبيل التي سأسلكها، ونظرت ثانيةً إلى الورقة خلفي، ثم أوصدت الباب ورحلت.
ومن ثَمَّ تردد صوت في الأفق قبل أنا تنهار الديار.
"وكنت في مستقر نفسي أعلم أن لا فرار مما لا تعلم
وأن الضلال آتيني أينما ذهبت. وأني سأعود. سأعود هنا ثانيةً. سأعود للأطلال، لذكرى
الديار لأجل أن أعلم."