Tuesday, 7 March 2017

فلم أعلم

"قد كنت أدري أن ما أراه يحمل معانٍ لم أكن لأقوَ على تخيل قدرتها على الإمكان، وكنت في مستقر نفسي، أعلم.."

لم أعد أتذكر من العمر شيئاً بعد إنقضاء آخر حرف. قد مُحيت جميع الصور عني، وغزا فراغٌ ثكنات صدري وأطاح بما تبقى من عقلي، ولم يبقِ لي من روح.

وجدت نفسي أمام ورقةٍ وبيدي قلمٌ لم يجف حبره، أسطر، لم أعرف ما الذي كنت أسطره، وإن كنت قد قرأت أني كنت أدرك وأعلم، فلم أدرِ ما الذي كنت أدريه ولم أعلم ما الذي كنت أعلمه.

بقيت أردد على مسامعي تلك العبارة مئات المرات، لا بل مئات الآلاف، وأنا أحدق في الأفق، لعلّي أجد في صداه بقيةً مما تركت، وقد اعتراه فراغٌ وسكون في صور لم أكن لأعلمها. أسمع صوتي الخافت يردد العبارة، وأسمع في طيها دقات، كأنها سواع العالم أجمع تدق في أذناي، وكأني أسمع سرعة العالم الجنونية، والسكون قد سكن كل شئٍ حولي. كأن للسكون حركةً أو صوت أو كلاهما، وكأنه يسري مع الزمان، وأنا وسط هذا لا أرى أمامي سوى الورقة، والقلم عالقٌ بين أصابعي، تباد الحروف عنها وتتلاشى في صخب السكون القائم، وأنا أنصت لصوتي المردد وهو يتلاشى في الفراغ مع الحروف ويخفت.

لم يبق من صدى العبارات من شئ. ولم يبق من الحبر على الورق من شئ. قد تلاشى كل شئ. إلى فراغ. من حيثُ أجاء.

وأنا أنظر إلى الورق أمامي وهو فارغ، وشفتاي كأنهما يحاولان إسترجاع جملةٍ لا يعرفانها. وضعت القلم وقد جفّ على الورقة. ومن ثَمَّ جائتني رُسلٌ من كل حَدَبٍ وصوب، لم أرهم من قبل، أو لعلّني رأيتَهم، ولكني وعلى أية حال لم أكن أعلمهم.

كلهم. آتيني برسالةٍ واحدة. أن عليّ الفرار.

لم أكن لأقوَ على الفرار، ليس لأي شئٍ إلا لأني لست أدري من أي شئٍ أفر.

نظرت إليهم جميعاً، ثم نظرت للورقة أمامي، وجلست أمامها والقلم بين أصابعي، أكتب.

"لم أكن أعلم ما هذا الذي قد أحل بي، وما هذا الفرار الذي يدعونني إليه، ومن أي شئٍ أفر، ولا لأين المفر. نظرت إليهم جميعاً حتى أعلم. فلم أعلم"

نهضت، وقمت لمرآتي، فرأيت بها وجهاً لا أعلمه، قد أردت البكاء كما لم أرد من قبل. أو لعلّني أردت. لا أعلم. لم أدرِ أي سبب لذاك النازع بالعويل، بالصراخ، بالبكاء. قد تكون هي. وقد لا تكون. وعلى كلٍ لن يعلم ذلك أحد. ولا هي.

وقفت على الباب وأنا لا أعرف شيئاً عن وجهتي، ولا عن السبيل التي سأسلكها، ونظرت ثانيةً إلى الورقة خلفي، ثم أوصدت الباب ورحلت.

ومن ثَمَّ تردد صوت في الأفق قبل أنا تنهار الديار.

"وكنت في مستقر نفسي أعلم أن لا فرار مما لا تعلم وأن الضلال آتيني أينما ذهبت. وأني سأعود. سأعود هنا ثانيةً. سأعود للأطلال، لذكرى الديار لأجل أن أعلم."

Sunday, 6 September 2015

مَفَر

مَفَر
جُدرانٌ غَليظة، تُحيط بي من كل مكان، تتغذى على الفراغ، لا أدري شيئاً عَمَّا بِخارجها وليس بداخلها شئٌ لأدركه. أمضيت عُمراً أنهِش في عمائدِها لعلها تتهاوى، وما كان ليَزيدها ذلك إلا عُتواً وإستكباراً.
لطالما مَنيتُني بالهروب، ولطالما خِلت زُرقة البِحار حولي والسماء تَشُع من فوقي شَفَقاً. لطالما رأيت الأنهار بمنامي، تجري، وأنا على حافتها أغرس قدماي بالزروع، والنَخيل في الأفق تَشُع عُلُواً وأملاً. أتنفس سُكوناً يملأ الأرجاء.
كنت أدرك أني لست بِراحلة، وأن علىّ التَحمُل، وأني سأمِيت دَهرَاً فوق ذاك العُمُر داخلها، وأني وإن نجحت في شَقِها فما خَلفها إلا جُدران أخرى.
وقفت أمام تَجَرُدها، وتأملت، وأنصت للعَويل الدائم وهو يُكرر: وما خلف الجُدران إلا جُدران، فنَكسّت رأسي وأذرَفت من عيناي يأساً، ثم مددت يداي ورسمت عليها الفِرار، رسمت على فَراغِها جَميع مُناي، رسمت عالماً بلاها، ثم تأملت الفراغ يَكسوه المُنى، فأطمأننت. لم أكن أدري حين صَوَّرت الفِرار أمامي، هل للوهم أن يكون المَفَر، ولكني لم أجد لي بُداً غيره.

مَضت ساعاتٌ أتأمل فيها الرَجاء، حتى غَرقت في سُبات، رأيت فيه الجدران تَلتهم المُنى، قمت فَزِعة فرأيت المُنى أمامي يكسوها فراغ.

Thursday, 27 August 2015

آلْ

آلْ
لمحتها عن بُعد، أو قُرب، لم أعد أذكر شيئاً. قد مضى زمنٌ، لست أدري إن كان قصيراً أو طويلاً فلطالما شَككت بالسَواع، ولكنه في عمر القِفَار دُهُوراً. واحةٌ في قَفْر اعتدت أن أُهيم فيها، واحةٌ حين بَرِقَت لي حينها، خِلت أني سأُروى، وسأحيا.
كلما خطوةٌ أخطوها، أخال أني سأقترب، أجدني ابتعد. وكلما تسمرت، تُدنيني منها لأقترب فأقترب لتَبتعد.
قد عَلِمت أني لن أصل، أنها ليست هناك، أو هنا، أنها ليست شيئاً، وأن من فرط ظمأي خِلتها ماءاً يُحييني. خلت أني إن واصلت المَسير، الحَبو، والركوض سَيغمر فراغها أنهرُ. كنت قد عَلِمت. ولكني ما وَقفت. وما كُنت لأقف، فلم أكن أُدرك.
أدهرٌ بالقَفْر أرجو فراغاً، أصرخ لعله يُجيب، وما له أن يُجيب، أرجوه أن يُجيب، وما له أن يسمع، أبكي، لعله يَشفَق لحالي، وما له أن يَشفَق. أدهرٌ بالقَفْر وأنا على أملٍ.
والآن، حين وصلت، حين رأيتني ارتمي لألهث التراب، أدركت. ما كان للرَجاء أن يحُيل واقعاً.

والآن، وقد غزا الشَيب رأسي، والعَجز ما تبقى مني، جُل ما أرجوه أن أعود، لذلك الزمن، بعيد كان أو قريب، أعود لأُبطئ من المَسير، لأحبو، حتى لا أصل، حتى أفنى وأنا على أمل.

Wednesday, 29 July 2015

مِرآتي

مِرآتي
ريحٌ عاتيةٌ اقتلعت كل شئ، لم تَذَر لي شيئاً سوى مِرآتي. انتفضت من سُباتي مذعورةً، هُمت بالأرجاء قاصدةً إياها، اطمأننت أنها على حالها فرَجَعت.
صراخٌ وعويل، دقاتُ أجراسٍ وقرع طبولٍ تكاد تدك الأرض دكاً. أغرق في محيطٍ يغلب عليه لون حُمرةٍ وكأنه محيط دماء. شظايا زجاجٍ تتراقص حولي على إيقاع الطبول والأجراس. ودُجى.
انتفضت ثانيةً، وهممت بالقيام لأقصدها، فلم أقوَ.
تتراقص من حولي، حتى لم يبقَ لي من حولٍ ولا قوة، فاستساغت الرقص على جثتي.
مَنيت نفسي بأني واهمة، فنهضت. حتى رأيتها أمامي، مُنكسرة، شظاياها تلتهم رِمتي، أصرخ فلا تأبه لصُراخي وكأنها لا تسمعه. أُغَّلِق مُقلتاي، لأُمنيني بهروب فأرجع. وما كان الرجوع لي بمفر.
عَلَا العويل. تَشققت الأرض تحتي. انجرفت مع الماء نحو الشِق، مَنيتني بالوهم أُخرى، فقمت فَزِعة.
أين المفر! لم أجد لي مفراً.
جلست أتأملها وشظاياها تلتهمني لتلتأم، يُعيني السُكون والعَويل. يُعيني الأمل والقُنُوط. يُعيني الجَلَد والجَزع. ضالةٌ لا أدري أهَل من سبيل سيهديني، أم أن جميعها ستعيني.

سَكِنت. قَنَطت وجَزِعت. ثم أمُلت فصَبَرت حتى تَعِبت فصَرَخت. يأست فسَكَت. وهكذا مراراً وتَكراراً حتى هَلَّ الصُبح، كانت قد التأمت وعادت إلى حالها. مَدَّت يدها إلىَّ، قُمت واحتميت بها. وارتسم على وجهي صورةُ مرآةٍ تعكس أي شئٍ بالوجود غير صورتي.  

Friday, 27 February 2015

اللوحة

اعتدت أن أذهب هنالك بمفردي لأتأمل تلك اللوحة العالقة على الفراغ، يغمرها عتو موج محيطٍ في نهار ليس من النهار في شئ. كما أعتدت أن أراها، أو كما أعتادت هي أن تُريني، فلم أكن أقوى على إجتياح الموج بها لأرى تفاصيلها التي لطالما أردت أن أراها، والتي كنت أذهب خلسة أناء الليل لعلني أراها، لوحةٌ صماء تصرخ داخلها، لم تكن لتُشركني صُراخها، لوحةٌ جرداء تجلو بداخلها، لم تكن لتُجليلي عتمة ليلي الذي ما كنت أمضيه إلا محملقةً في فراغها.
لم أعرف لم تلك اللوحة، ولم ليس بغيرها، لوحات جوارها، تصرخ بالجمال، والحياة، غير ذلك الموت والفراغ حيال لوحتي، تلك، الصماء. لوحتي؟ لم أعرف لمَ يدفعني الموت داخلي إلى التودد لتلك الصماء، وهل هو الموت داخلي يرى الموت فيها، أم أن الحياة لي كانت تلك الصماء، ولم صماء؟ ألم يكن من الممكن أن يكون سر الحياة مدفونٌ بها، تحت عتو أمواجها، تنتظر لحظة الإشراق؟ ألم يكن من الممكن أن يكون ليلاً من الليالِ الطوال، هو ليل جلوها؟ لم نسمي الموت والحياة لأشياءٍ لا نراها؟ لم لا ننتظر؟ سأنتظر.
راودتها، كثيراً، توددت لها، قل أكثر، وكلما هممت بالرحيل، أرى جلواً خافتاً من ثناياها يبرز جمال زرقة موجها، فأخر راكعةً ذليلة. لم يذلني شئ بالحياة قدرها، ولست أذكر معناً للذل قبلها، ولست أذكر ليالٍ قارسة البرودة أمضيتها في الحواري أشق طريقي لغيرها، ولست أذكر أني قد وثقت عمياءاً لغيرها، ولست أذكر أني قد أعطيت شيئاً بالحياة حجماً كحجمها، لست أذكر، وحتى حين أعدت إرتيادها، لم أذكر ذلك الذي أذكره الآن.
غُلِّقت الطرق إزائها، لم يعد من الممكن وصلها، لم يعد من الإمكان رؤيتها، لم يعد من المسموح تأملها، من ذا الذي غلَّق كل السُبل؟
كانت إجابة السؤال أقسى من أن أجيبها، لم أسعَ أن أجيبها، وقد كنت أعلم في مستقر نفسي، من ذا الذي أودي بجُل آمالي وشوه بصيرتي، كنت أعلم من ذا الذي ذكرني بما لم يخطر ببالي حينها، كنت أعلم وأنا وراء المترايس من ذا الذي قد بناها، كنت أعلم وأنا أخر باكية من ذا الذي استحل دمعي، كنت أعلم وأنا أرى الموج هائج عليها ومن خلفه آلاف المشانق المُعلقة على الفراغ مثلها، آلاف المشانق أخُفيت بالوهج الخافتٍ المُفتعل، آلاف المشانق تشنق كل من حاول أن يكشف فراغها، تجردها، وموتها.

آلاف المشانق خلف موج هائج في نهار ليس من النهار في شئ. تلك كانت لوحتي.

إني عاقلة

مر زمنٌ لا يمكن أن أقول عنه طويل، أو قصير فلم أعد أقدر الأزمان بعدها. كنت أتمدد على أريكةٍ يفترض أنا أوجدت هنا لتُريحني.
-"مرتاحة؟"
لم أكن، ولم لأكون، وإلا فلم أنا هنا. ارسلوني إلى هنا حين ظنوا أن ضرباً من الجنون طاح بي، وأني أُتوهم، وأنه ليس هنا، ولكني على يقينٍ. أني العاقلة.
لو أنهم أصابوا وأخطأت. لو أني بي ضرباً من الجنون يدفعني إليه، فلا يعيدني، بل يبقيني هنالك، في أحضان سرابه. ولكن هيهات. إني عاقلة.
طال سكوني، ثم نهضت لأقف خلف ستائر النافذة.
-"هناك. أراه. هناك."
-"مش هو."
لم أسمعه، طاف صوته في أُذناي وتردد، ولكني لم أسمعه، لم أشأ أن أسمعه. ليس هناك، ليس يعنيني، فما عدت أعدو وراء حقائق هذا العالم، أريد حقيقةً أخرى، من عالمٍ آخر، حقيقة ليس يشوبها تعقل أو حُسبان، حقيقةٌ أراها الحقيقة لأني أريدها الحقيقة وليس يعنيني واقع الأشياء تلك. ليس يعنيني أنه ليس هنا، لأنه هنا.
 طال تسمري.
-"ممكن ترجعي؟"
عُدت ولم يعد، فما فائدة العودة إذن؟ ما جدوى البقاء، عاقلة؟ لم أرسلوني إلى هنا؟ ولم وإن كان 
ليس هنا لا يشائون أن يتركوني أراه هنا؟
لن أعود بدونه. قد رحل. وقد رحلت حينئذ. ربما تُتوهموا، ربما أنا لست هنا، وربما أنا العاقلة.

Friday, 19 December 2014

The Graveyard

There, I live. Buried under tons of depression, fear, anxiety, doubts, guilt and sorrow. Far enough you could see my name carved in italic and bold, and it never mattered how it’d look closer. THE FREEDOM, they called it. Whenever I tried to escape that FREEDOM, the jailer, or better said, the jailers, poured more and more of FREEDOM over the already existing tons that weighed heavily, heavier than I can endure. I gave up. By then, I found me burying myself.

couldn't endure and I had no power to escape. But I ought to. I reached a settlement, I’d dig, at night, a tunnel through that load, till I find a beam of light. I held each and every molecule of courage. I learned not to make assumptions nor to expect, though I expected much and I didn't know why.


Years passed, more tons were poured, and I dug much more. I never gave up on this trail and I shall never do. I’ll escape from that death land, and its inhabitants that sanctify nothing but the graveyards they built.