البُنيان
"وتيقّن، حين تنهار أعمدة المعبد لن تنهار إلا عليك"
في وادٍ غير بعيد، قطنت بمعبدٍ مهجور، خاله
الناس مسحورا، وكنت أعجب من ظن الناس وحسبتهم آمنوا بتلك الخرافة فقط ليبقوه
بعيداً شريداً وإن لم أكن أدري سبباً لذلك. وكان هنالك على بُعد مسيرة يومٍ من
المعبد، بُنيان به من الجمال ما يفوق الوصف كأنه قصرٌ بقي من جنةٍ شُيّدت على الأرض
منذ زمن. كان الناس يتهافتون للوصول إليه، وقد يقتل بعضهم بعضاً ليمكثوا به ليلة
حتى يأتي غادر آخر يقتلهم ويسرق البُنيان منهم، وقد استشرت أساطير البنيان هذا
بالوادي كله، حتى وصلتني أخباره ووجدت من نفسي ما يدفعني لخوض بعض الجنون حتى أصل
إليه.
تحدثت إلى جدران المعبد وأعمدته، فما كان لي
من رفيقٍ على الأرض غيرهم، ولم ألبث لأنتقل من جدار لأخيه إلا ليقول نفس ما قال
سالفه، أن ما بهذا البنيان من جمال إن هو إلا سحرٌ مبين. لم أصدق، أو قلت لنفسي،
سأره فقط، ثم سأعود، حتماً، سأعود.
حزمت أمتعتي، وودعت المعبد وسط نحيبٍ من
أعمدته، ووعدٌ قطعته لها على نفسي بأني سأعود، ولم تكن الرحلة إلى البنيان بهذه
المشقة التي سُطرت بالأساطير التي وردتني، قد وصلت في وقتٍ أقل من مسافة مسيره
وبرحلةٍ ممهدة الخطى وكأني مالك هذا القصر، يرحب بي طريقه حتى أرده هانئاً. دخلت
البنيان ووجدت به من الجمال ما يفوق ما سُرد وقُص. ووجدتني أصعد إلى غرفة مضيئة
بظلامها، ولم أعلم إلا حينها معناً لضياء الدجى. حتى رأيته، مالك البنيان، كهلٌ
ضعيف، شوهت معالم وجهه، قد يكون شدة قبحه هو التضاد الذي يبرز جمال القصر! أخذني
بجولةٍ أراني بها البنيان، وقال أنه رأى بي ما لم يره بغيري، لذلك مهد لي الطريق،
وسيعلمني ما يمكنني من الأخذ بزمام الأمور بالقصر حتى أرثه من بعده، فقد قرب أجله.
بقيت بالبنيان أيامٌ عدة تعلمت بها الكثير،
وودت أن أبقى ولكن جزءاً مني قد بقي على عهده القديم للمعبد، فاستأذنت أن أزوره من
معلمي، فحذرني من سحره، ومن هلاكي إذا عدت إليه، فبقيت. مر دهرٌ عليّ هناك، كنت
أحيا ملكاً، حتى اختفى معلمي، قلت توفى، ولكني لم أرى جثة له! ولم يشغلني ذلك
كثيراً، لا أدري لأني لم أكن أحب معلمي ذلك أم لأني فقدت ما بي من رحمةٍ عند رحيلي
وقت نحيب الجدران، ولكن ما شغلني أني وجدت التهافت المسطور بالأساطير حقاً! حييت
كالملك دهراً بالبنيان والآن أُدخلت بالصراع! لم الآن، لم بعد إنتهاء تعليمي، لم
أجد وقتاً يسنح لي بأن أفكر بالأمر. خضت الحروب، بسيوف الكذب والنفاق والرياء،
الخداع والقتل والفتنة والسرقة وكل تلك الفنون التي تعلمتها مع معلمي. تعدد أعدائي
ولم يبقى لي من الجلد أو القوة ما يمكنني من الصراع. طُردت من قصري، ورميت على
أطرافه ورأيت طيفاً للمعلم يسحب تحت يده غلاماً يعميه عن الصراع القائم ويريه لذه
البقاء بالبنيان ويعلمه فنونه، صرخت به فلم يجبني، صرخت أخرى فنظر إلي وبعينيه
الشماتة يخفيها بشفقةٍ مصطنعة، ويقول لي بصوت يحاول خنقه ليبدو متأثراً أني قد
فشلت بالإختبار لذلك طردت، ثم اختفى.
لم يكن ليكون لضالٍ مثلي مأواً، شردت
بالبيادي حتى ذكرني ذلك الجزء مني بعهدي للمعبد، لم أكن لأقوى على مواجهة عمائده
وجدرانه وقد حذروني ولم آبه لهم، ولكني لم أجد لي مأواً غيره، وكلما سلكت خطوة
لأعود إليه، يجذبني صوت المعلم بعيداً عنه نحو البنيان، ولكني ذكرت نفسي بنظرته،
فقاومت حتى وصلت.
علمت حين رأيت ركام المعبد، لمَ بكى السلف
على الأطلال. وقعت على الأرض، وصرخت له، لقد عدت، لقد عدت.