Tuesday, 23 September 2014

جَفَّ القَطْرُ

جَفَّ القَطْرُ

"الغَنيُّ فينا تفيض أنهر غِناه، والفقير بنا يحيا ليموت بفقره، ولازلنا ندعي أننا الإنسان، فلو أن الإنسانية كذلك فحمداً للمولى أن ليس جميع خلقه إنسان!"

تكثفت السحابة التي حُبسنا بها، وكان ذلك آذاناً أن آن أوان حُريتنا، سنهطل على المحيطات فنجري معها، ولن تُدركنا الشمس وستبخر قطراتٍ غيرنا لتحبسهم بالسماء، سنغوص حتى نصل قاع المحيط ونحيا ما دامت الحياة. هكذا كُنا نفكر، لم يفكر أحدٌ منّا أن نهطل على صحاريٍ جافة فنروي، فتلك غايتنا، وحين عرضت عليهم الإنتظار حتى نصل للبيداءِ القادمة، فما كان منهم من ردٍ إلا أن قالوا أتُهلكنا! أتريد أن يبتلعنا ظمأ أهل البيادي، أنترك الحياة ونعيمها والخُلد –المؤقت- بها، لنفنى، ثم عبسوا جميعهم وتولوا عني، وانكسر الضوء بهم واعكس ألوان بهجتهم، وحينها كنا جميعاً على المحيط. تدافع بعضهم مع بعضٍ ومع مياه المحيط أيهم سيصل للخلد وأيهم ستأسره الشمس بالسماء مجدداً، ذهب بعضهم إلى القاع، وبقيت على السطح بإنتظار الأسر مع من سيخسر في معركته مع بني جنسه. لم أكن أرى خُلداً في أن أحيا قابعاً في قاع المحيط، أخشى الضياء فيأسرني، وأخشى الموت فأُميت غيري، كنت على دراية بأننا ما خُلقنا لنقبع بالقاع وأن السحب ليست أسراً وإنما هطولنا منها آذان تعمير أرضنا.
تكثفت السحب وهطلت، وبقيت كذلك أعواماً، لم أجد قطرة تساندني، وكلما شجعت أحدهم قال لي لن نستطيع أن نغير محل الهبوط وحدنا، نحن قِلة، ولو أنهم صدقوا ما قالوا لبقوا معي، ولكنهم اتخذوا العدد حُجة، حتى يحيى ضميرهم معهم بالخلد المزعوم.
لم أيأس حقاً، أو قل يأست قليلاً، أو كثيراً فاليأس واحد. كنت أعاود ما اعتزمت فعله دون أي أملٍ في أن سأحيا لأراني أروي ظمأ، ولكن شيئاً ما بداخلي كان يدفعني للجلد لعل يوماً أصل.
إجتماعٌ عاجلٌ لكل قادة مياة المحيطات الخمس، خرجوا منه بقرار بضم اليابسة جميعها بقارةٍ واحدة تُفصل الأنهار عنها، وتجتمع مياة الكوكب الأزرق بمحيطٍ واحد كبير، يحيى من بالقاع بقاعه، ويظل من بالسطح يواجه حرارة الشمس دفاعاً عن أسياده بالقاع، ومن كان يحيا بالأنهار فمصيره كمصير من بالسطح وعليهم أن يكونوا شاكرين أن قد أنجوهم من إلتهام الصحاري! وكأنهم اتخذوا قرارهم هذا لأجلهم وكأن قرارهم هذا لم يكن إلا ليجلبوا بالسطح قطرات أكثر تدفع عنهم بلاء الأسر! لا أدري متى تحولنا لمسوخٍ نفرق بين قطرةٍ وأخرى ولا أدري ما القاع هذا الذي يتحاربون عليه، ولمَ يجفون اليابسة من كل قطرة حياة بها، أعجزنا أن نحييها فاعجزنا موتها البطئ فأمتناها! لمَ! لأجل قاعٍ فانٍ! ألا يظن أؤلائك أن ما بهذا القاع من خلد!
جفت اليابسة وساد الظمأ بكل أرجاءها، وأهل الكوكب الأزرق يلهث التراب، ويتدافعون بينهم سعياً للسواحل لأجل مياةٍ مالحة، و لكن يلاقيهم حتفهم قبل أن يصلوا إليها، وما من سحابة تود الفناء على تلك الصحراء الشاسعة لتشفق عليهم، وما عادت نداءاتي لتُسمع وإن كانت لا تسمع من ذي قبل، تبادل سكان سطح المياة الأسر، وحيا بالأعماق من حيا واعتادوا زينة دُنياهم، لم أجد بداً في ذلك الخلود، هبطت وركبت الرياح فأقتادتني لليابسة، هبطت على بذرة مردومة بالرمال تنتظر حياة فوهبتها إياها.

نمت شجيرة بوسط البيادي الشاسعة، تنتظر الظمأ كحال جميع أهلها، ولو أني ما فُنيت لوهبتها إياي مجدداً، ولكن إختباري قد انتهى، ولست أدري إن كان يدرك القَطْر أنّا فقط بإختبار.

No comments:

Post a Comment