Friday, 27 February 2015

اللوحة

اعتدت أن أذهب هنالك بمفردي لأتأمل تلك اللوحة العالقة على الفراغ، يغمرها عتو موج محيطٍ في نهار ليس من النهار في شئ. كما أعتدت أن أراها، أو كما أعتادت هي أن تُريني، فلم أكن أقوى على إجتياح الموج بها لأرى تفاصيلها التي لطالما أردت أن أراها، والتي كنت أذهب خلسة أناء الليل لعلني أراها، لوحةٌ صماء تصرخ داخلها، لم تكن لتُشركني صُراخها، لوحةٌ جرداء تجلو بداخلها، لم تكن لتُجليلي عتمة ليلي الذي ما كنت أمضيه إلا محملقةً في فراغها.
لم أعرف لم تلك اللوحة، ولم ليس بغيرها، لوحات جوارها، تصرخ بالجمال، والحياة، غير ذلك الموت والفراغ حيال لوحتي، تلك، الصماء. لوحتي؟ لم أعرف لمَ يدفعني الموت داخلي إلى التودد لتلك الصماء، وهل هو الموت داخلي يرى الموت فيها، أم أن الحياة لي كانت تلك الصماء، ولم صماء؟ ألم يكن من الممكن أن يكون سر الحياة مدفونٌ بها، تحت عتو أمواجها، تنتظر لحظة الإشراق؟ ألم يكن من الممكن أن يكون ليلاً من الليالِ الطوال، هو ليل جلوها؟ لم نسمي الموت والحياة لأشياءٍ لا نراها؟ لم لا ننتظر؟ سأنتظر.
راودتها، كثيراً، توددت لها، قل أكثر، وكلما هممت بالرحيل، أرى جلواً خافتاً من ثناياها يبرز جمال زرقة موجها، فأخر راكعةً ذليلة. لم يذلني شئ بالحياة قدرها، ولست أذكر معناً للذل قبلها، ولست أذكر ليالٍ قارسة البرودة أمضيتها في الحواري أشق طريقي لغيرها، ولست أذكر أني قد وثقت عمياءاً لغيرها، ولست أذكر أني قد أعطيت شيئاً بالحياة حجماً كحجمها، لست أذكر، وحتى حين أعدت إرتيادها، لم أذكر ذلك الذي أذكره الآن.
غُلِّقت الطرق إزائها، لم يعد من الممكن وصلها، لم يعد من الإمكان رؤيتها، لم يعد من المسموح تأملها، من ذا الذي غلَّق كل السُبل؟
كانت إجابة السؤال أقسى من أن أجيبها، لم أسعَ أن أجيبها، وقد كنت أعلم في مستقر نفسي، من ذا الذي أودي بجُل آمالي وشوه بصيرتي، كنت أعلم من ذا الذي ذكرني بما لم يخطر ببالي حينها، كنت أعلم وأنا وراء المترايس من ذا الذي قد بناها، كنت أعلم وأنا أخر باكية من ذا الذي استحل دمعي، كنت أعلم وأنا أرى الموج هائج عليها ومن خلفه آلاف المشانق المُعلقة على الفراغ مثلها، آلاف المشانق أخُفيت بالوهج الخافتٍ المُفتعل، آلاف المشانق تشنق كل من حاول أن يكشف فراغها، تجردها، وموتها.

آلاف المشانق خلف موج هائج في نهار ليس من النهار في شئ. تلك كانت لوحتي.

إني عاقلة

مر زمنٌ لا يمكن أن أقول عنه طويل، أو قصير فلم أعد أقدر الأزمان بعدها. كنت أتمدد على أريكةٍ يفترض أنا أوجدت هنا لتُريحني.
-"مرتاحة؟"
لم أكن، ولم لأكون، وإلا فلم أنا هنا. ارسلوني إلى هنا حين ظنوا أن ضرباً من الجنون طاح بي، وأني أُتوهم، وأنه ليس هنا، ولكني على يقينٍ. أني العاقلة.
لو أنهم أصابوا وأخطأت. لو أني بي ضرباً من الجنون يدفعني إليه، فلا يعيدني، بل يبقيني هنالك، في أحضان سرابه. ولكن هيهات. إني عاقلة.
طال سكوني، ثم نهضت لأقف خلف ستائر النافذة.
-"هناك. أراه. هناك."
-"مش هو."
لم أسمعه، طاف صوته في أُذناي وتردد، ولكني لم أسمعه، لم أشأ أن أسمعه. ليس هناك، ليس يعنيني، فما عدت أعدو وراء حقائق هذا العالم، أريد حقيقةً أخرى، من عالمٍ آخر، حقيقة ليس يشوبها تعقل أو حُسبان، حقيقةٌ أراها الحقيقة لأني أريدها الحقيقة وليس يعنيني واقع الأشياء تلك. ليس يعنيني أنه ليس هنا، لأنه هنا.
 طال تسمري.
-"ممكن ترجعي؟"
عُدت ولم يعد، فما فائدة العودة إذن؟ ما جدوى البقاء، عاقلة؟ لم أرسلوني إلى هنا؟ ولم وإن كان 
ليس هنا لا يشائون أن يتركوني أراه هنا؟
لن أعود بدونه. قد رحل. وقد رحلت حينئذ. ربما تُتوهموا، ربما أنا لست هنا، وربما أنا العاقلة.