على الحافة
"أسدل
الليل ستائره على سفينةٍ أنا قُبطانها وراكبها الوحيد، وقفت على حافتها وتنهدت.
نظرت إلى الموج المُتلاطِم تحتي وقُلت له، قبل أن أُفلت رجلاي، بصوتٍ مخنوقٍ،
تعبت، لم أعد أحتمل، لم أعد أقوى على الإبحار، وسأمت الإبحار في محيط الظلمات
هذا.تعطلت بوصلتي، وتمزقت أشرعتي، واسودت السماء فوقي وأُطفأت مصابيحُها وساد
الوجوم داخلي ولم أعد أرَ شيئاً."
وقبل أن أهوى لمهالك
الرَدَى، ربت على كتفي صوتٌ حزين، صاح بصوتٍ مبكوم، لمَ؟
لم أعد أمتلك من القوة ما يعينني على الإبحار، لم
أعد.فعاود وقال لمَ؟
لم أدرِ حينها لمَ ماذا فقد أجبته، فوجمت. فقال لمَ
لا تقوى؟
نظرت ورائي فلم أجده، ولا أدري لمَ لم أنظر
حين سمعته أولاً، كما لا أدري سبباً لتلك ال لمَ!
لمَ لا أقوى؟ أسترجعت
شريط الآلام الذي حفظته وذكرت نفسي بأسبابي، وقد كان أهمها نفس السؤال ذاك
"لمَ" ولكن لمَ أحيا؟ ما الهدف من وراء وجودي، أين هي أحلامي وآمالي،
أين هي أهدافي وطموحاتي، ماذا أريد، من أنا، هل حقاً أنا من أنا؟ أم أني أحيا كما
يظن الناس أني أنا؟ وهل حقاً أحيا أم أنى رمةٌ متحركة؟ أين هذا الصوت لأخبره لمَ
لا أقوى، نعم لست أقوى فأنا لست روحاً ولست أحيا. فربت أخرى وقال بصوتٍ أكثر حزناً وإيلاماً ولمَ لا تحيا؟
لأني لا أحيا. لا سبب لذلك ولا مبرر. لا أحيا
لأني لا أحيا.
ولمَ لا تسعى لأن تحيا؟
أجننت، ومن منا لا يريد أن يحيا، إن هي إلا
الحياة لعزيزةً لا تود إيانا أن نحياها.
وكيف يحياها الآخرون؟
لست أدري. عبست وتوليت عنه، وذهبت إلى حافتي،
فجاء ورائي وربت أخرى فقلت أُغرب عن وجهي وأترك السفينة إن كنت تود أن تواصل
الإبحار بهذا الظلام الدامس.
"قد أفنيت ما قضيت من موتي أنتزع بخشب
تلك السفينة وأُفكك بُنيانها لعلها تغرق ولكنها أبت أن تغرق وأنا عليها، فما كان
لي إلا أن أتركها، فسأتركها، وسأوى إلى القاع وستلحق بي وستسبني أن قد أهلكتها
وستشمت بحالي الذي سأصير إليه، ولن أجد حينها ما أقول، فأنا من دمرتها وهي من
حاولت إيوائي، لن أجد مبرراً لهذا، كما لم أجد مبرراً لكل ما فعلت."
ولمَ لا أواصل الإبحار على سفينتك؟ ألن
تتركها؟
ستغرق. وستُغرق كل من عليها.
لمَ؟
لم أقوى على قول حقيقة غرق السفينة فوجمت.
أنت من هلَّكتها.
لقد كانت لتهلك بكل الأحوال.
لمَ؟ لم يسمع مني إلا السكون.
لمَ لا تجبني؟
أتبقى كل ذلك على الحطام لأجل أن أجيبك على
أسئلةٍ أنت تدري أني لن أجبها!
لمَ؟
صرخت بوجهه؛ أنت وحدك تدري الضلال الذي إلت
إليه، أنت وحدك على علمٍ بأني كنت أبحث عن أرضٍ لليقين فلم أجدها، أنت وحدك تعلم
أني هنا على الحافة الآن لأنك لم تجبني، سألتك عن أحلامي فرسمت لي السراب وسألتك
عن ماذا أريد فصورت لي الظلام، لم تقف أبداً جانبي، لا تتذكرني إلا حين أوشك من
الهاوية، وددت النجاة والحياة وما أنت بمجيبٍ منذ أن ضلت سفينتي، أالآن تسألني
لمَ! وقبل أن ينبس ببنت شفة، أسرعت للحافة، نظرت للموج تحتي، وهمست
له أن لن أبحر بتلك السفينة، لن أقوى على هذا الموت البطئ، وقبل أن يربت على كتفي
مجدداً، كنت بقاع الظلام.
انتشى
صوتٌ بإرتطام رمته بالماء، وغذّى ظلامه على فتات سفينته، ولكنه ليس صوتي، لست أنا!
لم أعد أمتلك من القوة ما يعينني على الإبحار، لم أعد.فعاود وقال لمَ؟
لم أدرِ حينها لمَ ماذا فقد أجبته، فوجمت. فقال لمَ لا تقوى؟