Saturday, 23 August 2014

على الحافة


على الحافة

"أسدل الليل ستائره على سفينةٍ أنا قُبطانها وراكبها الوحيد، وقفت على حافتها وتنهدت. نظرت إلى الموج المُتلاطِم تحتي وقُلت له، قبل أن أُفلت رجلاي، بصوتٍ مخنوقٍ، تعبت، لم أعد أحتمل، لم أعد أقوى على الإبحار، وسأمت الإبحار في محيط الظلمات هذا.تعطلت بوصلتي، وتمزقت أشرعتي، واسودت السماء فوقي وأُطفأت مصابيحُها وساد الوجوم داخلي ولم أعد أرَ شيئاً."

وقبل أن أهوى لمهالك الرَدَى، ربت على كتفي صوتٌ حزين، صاح بصوتٍ مبكوم، لمَ؟
لم أعد أمتلك من القوة ما يعينني على الإبحار، لم أعد.فعاود وقال لمَ؟
لم أدرِ حينها لمَ ماذا فقد أجبته، فوجمت. فقال لمَ لا تقوى؟
نظرت ورائي فلم أجده، ولا أدري لمَ لم أنظر حين سمعته أولاً، كما لا أدري سبباً لتلك ال لمَ!
 لمَ لا أقوى؟ أسترجعت شريط الآلام الذي حفظته وذكرت نفسي بأسبابي، وقد كان أهمها نفس السؤال ذاك "لمَ" ولكن لمَ أحيا؟ ما الهدف من وراء وجودي، أين هي أحلامي وآمالي، أين هي أهدافي وطموحاتي، ماذا أريد، من أنا، هل حقاً أنا من أنا؟ أم أني أحيا كما يظن الناس أني أنا؟ وهل حقاً أحيا أم أنى رمةٌ متحركة؟ أين هذا الصوت لأخبره لمَ لا أقوى، نعم لست أقوى فأنا لست روحاً ولست أحيا. فربت أخرى وقال بصوتٍ أكثر حزناً وإيلاماً ولمَ لا تحيا؟
لأني لا أحيا. لا سبب لذلك ولا مبرر. لا أحيا لأني لا أحيا. 
ولمَ لا تسعى لأن تحيا؟
أجننت، ومن منا لا يريد أن يحيا، إن هي إلا الحياة لعزيزةً لا تود إيانا أن نحياها.
وكيف يحياها الآخرون؟
لست أدري. عبست وتوليت عنه، وذهبت إلى حافتي، فجاء ورائي وربت أخرى فقلت أُغرب عن وجهي وأترك السفينة إن كنت تود أن تواصل الإبحار بهذا الظلام الدامس.

"قد أفنيت ما قضيت من موتي أنتزع بخشب تلك السفينة وأُفكك بُنيانها لعلها تغرق ولكنها أبت أن تغرق وأنا عليها، فما كان لي إلا أن أتركها، فسأتركها، وسأوى إلى القاع وستلحق بي وستسبني أن قد أهلكتها وستشمت بحالي الذي سأصير إليه، ولن أجد حينها ما أقول، فأنا من دمرتها وهي من حاولت إيوائي، لن أجد مبرراً لهذا، كما لم أجد مبرراً لكل ما فعلت."

ولمَ لا أواصل الإبحار على سفينتك؟ ألن تتركها؟
ستغرق. وستُغرق كل من عليها.
لمَ؟
لم أقوى على قول حقيقة غرق السفينة فوجمت.
أنت من هلَّكتها.
لقد كانت لتهلك بكل الأحوال.
لمَ؟ لم يسمع مني إلا السكون.
لمَ لا تجبني؟
أتبقى كل ذلك على الحطام لأجل أن أجيبك على أسئلةٍ أنت تدري أني لن أجبها!
لمَ؟
صرخت بوجهه؛ أنت وحدك تدري الضلال الذي إلت إليه، أنت وحدك على علمٍ بأني كنت أبحث عن أرضٍ لليقين فلم أجدها، أنت وحدك تعلم أني هنا على الحافة الآن لأنك لم تجبني، سألتك عن أحلامي فرسمت لي السراب وسألتك عن ماذا أريد فصورت لي الظلام، لم تقف أبداً جانبي، لا تتذكرني إلا حين أوشك من الهاوية، وددت النجاة والحياة وما أنت بمجيبٍ منذ أن ضلت سفينتي، أالآن تسألني لمَ! وقبل أن ينبس ببنت شفة، أسرعت للحافة، نظرت للموج تحتي، وهمست له أن لن أبحر بتلك السفينة، لن أقوى على هذا الموت البطئ، وقبل أن يربت على كتفي مجدداً، كنت بقاع الظلام.

انتشى صوتٌ بإرتطام رمته بالماء، وغذّى ظلامه على فتات سفينته، ولكنه ليس صوتي، لست أنا!

Wednesday, 6 August 2014

وطن الموتى

وطن الموتى

أفقت وبي الغُصة ذاتها التى لم تنته ولن تنتهي، ولأني بزمانٍ يُجبرني على النهوض ولو كنت مَيتَة، أفقتُ من كوابيس سُباتي، لألحق بكوابيس مماتي. نزلت قبل ميعادي بوقتٍ كافٍ، لأن لا أسمع محاضرةً عن الإلتزام بالمواعيد ببلدٍ لا يدركُ أهلها قيمةً للساعةِ إلا حين يتأخر عنهم من ينتظرون. نزلت وإستقليت الحافلة، وقررت أن لن أفكر بكلمةٍ مما عليّ أن أقول، وأني سأرتجل بميعادي ذاك، أخرجت سماعتي، وأستمعت إلى ما سيريح أعصابي قليلاً لأن لا أتهجم على أحدهم بذلك المعاد المشؤوم، فإني أُدرك أن ذلك معاد ظهور الحقائق وخلع الأقنعة، وتأملتُ بالطريق، فلم أجد سماءاً ولا ماءاً ولا أشجاراً فتأملت بسبب عناء ذلك الكوكب، الإنسان.
بعد قليلٍ من التأمل، سمعت صُراخاً أغيثونا أغيثونا، حدقت النظر لإتجاه الصوت فوجدت شاباً يجري بكل ما أوتي من قوةٍ والدماء مُلطِخة ثيابه ووجهه، والعالم حوله في تأملٍ ومشاهدةٍ كأنه مجرمٌ بفيلمٍ يتابعونه وليس مجرماً أمامهم، كلٌ منهم ينتظر من يجاوره أن يجري وراءه، وليس بنية أحدهم أن يخطو خطوةً خلفَ مُسلحٍ، صرخت من النافذة هو مفيش رجالة هتجري وراه وتمسكه! فلم يسمعني أحد، وكنت مخطأة حين صرخت فهم يسمعون الصراخ منذ أن دخل القاتل، ولم يُبدوا أي ردةِ فعلٍ سوى مشاهدةٍ متأنيةٍ، قررت النزول والجري بنفسي وراء ذاك المجرم، خلعت هذا الحذاءِ ذو الكعب العالي وجريت وراءه، أطلق رصاصه في الهواء ووجدت قوماً ورائي خلت أنهم أتوا ليساعدونّي، وكنت مخطأة فقد لحقوا بي حتى يُكمِلوا بقية المسرحية، حتى يتسنى لهم حكايتها على مواقع تواصلهم بكل تفاصيلها، أعياني الجري ووقعت على الأرض وهرب المجرم فعدت لمكان الحادث لأرى كيف الحال هناك، فوجدت أمرأةً تجاوز من العُمر الأربعين، يداها مقطعتين لإخراج ذهبها منها،والدماء تسيل منها وهي فاقدةٌ للوعي، سألت القوم حولي عن إذا كانوا قد طلبوا لها الإسعاف، فنظروا نظرات إندهاش وسطَ زهولِ كل من حولي وكأني طالبتهم بإحياء الموتى! أخرجت هاتفي، وأتصلت بالإسعاف فقالوا أن يجب عليّ الإنتظار ساعة أو اثنتين حتى يأتوا، وكأني واقفةٌ بطبورٍ للخبز عليّ إنتظار دوري، وكأن على الموتِ أن ينتظر ريثما تأتي سيارةُ الإسعاف! ما كان بيدي ولا بيدها سوى الإنتظار حتى تأتي السيارة، وحين أتت لتأخذها سمعت دقات هاتفي، الإتصال رقم عشرة، أهاا لقد تأخرت عن موعدي، رددت عليهم الطريق واقف ساعة وهوصل بعد فاصلٍ من الإهانات، سمعتها وكأني لم أسمعها أغلقت الهاتف لأن لا يتصلوا مرة أخرى.
ركبت حافلةً أخرى، بعد أن رحلت سيارة الإسعاف، أخرجت السماعات وأرتديت الحذاء مجدداً ثم تأملت بالطريق ثانيةً، كان بطريقي إشارةً طويلة وقفناها، ثم إذا بي أسمع صوت سيارة إسعافٍ قادمة من خلفنا تشير لشرطي المرور بأنها هنا وعليه أن يفتح لها الطريق، ولكن كان يبدو أن تلك السيارة تطلب معجزةً كونية أو أن مِزاج الباشا لم يكن جيداً ليسمع تلك السرينة فصرخ في وجه سائقها ما خلصنا، عرفنا أن فيه زفت عربية إسعاف أطيرلك العربيات قدامك عشان تعدي سيادتك! وسط زهولٍ مني على ذلك المشهد، وجدت ذلك السائق يعتذر للباشا ويغلق السارينة وينتظر معنا في الطريق بهدوء! بعد دقائق فُتحت الإشارة وأغلقها الشرطي قبل أن تمر سيارة الإسعاف نكايةً بالسائق الذي أزعجه وكأن على المريض تحمل المرض ومزاج الباشا وقلة حيلة السائق. وصلت بالحافلة لأكثر الأماكن إزدحاماً بطريقي، أمام مستشفى حكومي.
رأيت هنالك مرضى على إختلاف أعمارهم إلا أن هناك عاملٌ واحد مشترك بهم، كلهم بهم نفس الأسى والبؤس على ما دار عليهم من الدوائر وما نال الزمن به منهم. رأيت أباً يحمل ابنته الرضيعة وقد لف عُصبةً على عيناها وعينه قد غشّاها الدمعُ، ورأيت أماً تحمل مراهقاً قد أصابه شللٌ كُلي وظهرها محنيٌ من ثقله وتمسك بيديه تقبلها، ثم تضعه على سيارةٍ لترتاح قليلاً فتقبل وجهه، وتحضنه حتى يأتي مالك تلك السيارةِ فيهينها ويُعنِّفها، فتحمله لتكمل طريقها للمشفى، ثم وجدت أمرأة قد أصابها من الهِرم أن تحسب أنها راكعةً طوال طريقها، ليس معها من يسند عجزها. مكثت بالطريق كما لم أمكث من قبل ووجدت ألواناً سوداء من المرضى، حتى وصلت للباب الرئيسي لتلك المستشفى، فوجدت سيارةً للموتى وراءها سوادٌ من الناس يصرخون، فلم ألبث إلا أن وجدت نفسي وراءهم أبكي لصُراخهم، ثم دفعتي نفسي لأدخل ذلك الصرح، فوجدت الممرضات يتضاحكون ويتسامرون بأحداث المسلسل، ووجدت أهلَ مرضى يضعون أيديهم في جيوبهم ليراضوا ممرضات فيقمن بمهامهن، ووجدت عجز من قصرت يداهم ومكوثهم على أرض المشفى يبكون ويدعون. سرت بالطرقات فوجدت الطبيب يولد إمرأةً شابةً بها لإزدحام غرف العمليات وغرف المرضى، والدماء تسيل في كل مكان. كان مكاناً يشبه المقابر، لم أتحمل ذاك الموت فهربت.
استقليت حافلةً ثالثة، وأنا في ذهولٍ تام، وجدت مقعداً فارغاً فجلست، ورأيت من نافذتي مراهقةً قُطعت يدٌ لها، ربما في حادثٍ كتلك السيدة ويدها الأخرى تبيع المناديل في الإشارات، ثم صعد رجلٌ أعمى يتحسس الممر حتى يحن عليه من سيجلسه فلم يجد، قمت له، ثم وجدت سيدةً مسنة منحنيةً كأختها خلفي، لم يتكرم أحدٌ من الجلوس بأن يقوم لها، حتى أنا فلم ألحظها وأنا منهم. رجعت إلى آخر الحافلة، وتأملت بالرُكاب أمامي وحولي فوجدت أني هنا بمقابر أخرى، لم أتحمل وقد كان يبعدني عن مكان موعدي بضعة دقائق قلت سأمشيها، وحين نزلت استقبلني صِراع وسباب مُلاك السيارات فكلٌ منهم يجد أن هذا حقه في المرور بشارع ليس له معالم ولا تعرف أي منهم يمشي على الصواب ومن منهم على الخطأ. جريت حتى وصلت لميعادي، بعدها بساعتين، سمعت محاضرةً كنت أحيا لأتجنبها، ولم أجب لأني أدري أن الحال الذي إلنا إليه ليس لفساد منظومةٍ أو طائفة، ولكن فسادٌ استشرى وقلوب أُميتت ولو كنت شرحت ما رأيت لسمعت جملة وأنتِ مالك! لم أشق على نفسي عناء سماعها واعتذرت عن تأخري بأني قد استيقظت متأخرة والطريق كان واقفاً وجلست، تركتهم يكملوا محاضرتهم ثم واصلوا حديثهم من حيث توقفوا، ولم أسمع لصراخهم همساً، لم يكن يشغلني سوى سؤالٍ واحد، كيف يحيا الناس كذلك وأنا ما بي نصف عجزهم، لا أحيا؟ أم أنّا صرنا كلنا بأرضٍ للموتى؟

Tuesday, 5 August 2014

النَّاي

النَّاي

على جزيرةٍ تائهةٍ، جلستُ قربَ الشاطئِ وانتظرتُ صوتَ المساء. مَدَّت يداي وتحسستُ النَّايَ جواري، والتقطت أنفاسي، وبدأت العزفَ منذ لحنِ البداية. سِرتُ مهتديةً بسِحرهِ، فكلما عزفتُ به لحناً ينتشي ويُبصُر لي ويقودني نحو المجهول من تلك الجزيرة، ومن توقف نغمته، أدرك أن هنالك خطراً أو أن  قد آن الشروق وعليَّ الرجوع. عشقت المكان كيفَ صَوَّرهُ لي، ولم يزعجني إلا صوتُ همسٍ بعيدٍ يدعونّي للهروب، كلما أقترب أخرسته، أو قل أخرسه نايّي وآثرَ أن يُسلكني سبلاً تُبعدني عنه. عِشتُ كذلك سنينا، حتى صرت أؤمن بأن لن تكون لي حياةٌ بدون ذلك النَّاي، وأن ليس لي مفرٌ من تلك الجنةَ المسكونة.

حتى آن أوان أن تضيق عليَّ أنفاسي، كنت أعرف بأن سيأتي، ولكن أبداً ما علمت ما عساي لأفعل حينها. حاولت الشهيق ثم الزفير فشَّقَ عليَ، جمعت كل ما استحكمت عليه من القوى وحاولت إخراخ أنفاسي لأعزف، فلم أسمع له إنشاداً ، وعَلَى ذلك الصوت البعيد وزاد عليه صوتُ ألمٍ وأنينٍ كان كأنه صُراخاً بعيداً يقترب، وكلما أقترب، زاد ضيق أنفاسي وبات العزف حينها مُعجزةً بزمنٍ ولَّت عنه المُعجزات. ادخرت من أنفاسي، لأستجمعها قوية، ولكن كلما حبستها، اقترب الصُراخ، وشقَّ العزف. حاولت وعجزت، حاولت بقوة أكبرَ ثانيةً، فسمعت إنشاداً باهتاً، أُضَلُ به ولا أهتدي. 
توقفت.
وحتى عن الصراخ، عجزت.
فلم أجد بُداً من البكاء، فبكيت.
ثم للنّاي توسلت.
ولكنه لم يَكن للتوسلات سامعاً، أو لعله ليسَ مجيبا. لم يشعر بعَبَراتي، ولم يكن لينجدني من دون أنفاسي، حبست أنفاسي ثانية، ثم، بعدَ دقائقَ عزفت، فلم أسمع هداً، ولم يزد حبسي للأنفاس إياي إلا زيادةً بصوتِ الألم، وصوتاً كان همساً بعيداً، اقترب. مِت كذلك ليالٍ داكنة، وما كان بوسعي إلا إدخار أنفاسي لليالٍ، فأحيا بها ليلةً واحدة، ليلة لم يكن هداها مُخرساً للصُراخ حولي، ولكني تحملت،   تحملت حتى عَجزت وجَزِعت، آلمني النَّاي حتى أعود للإدخار، فعدت. وأدري أني لا أدري أي شئٍ من المعقول إلا أنني لم أقوَ على إيلامه لي، وقد أتحمل الصُراخ وإنقطاع الأنفاس ومرارتي وبأسي وحسرتي وتجاهله لذاك كله، ولا أتحمل أن أرى مُرشدي يوماً هو مؤلمي. ولكني، ومن فرط ضعفي، عزفت لحناً أنتشاه ولم يُبصرني، بل وزاد الألم ضعفاً من العذاب، وأستمررت بالعزف حتى انقطعت أنفاسي، وشعرت بإرتياحٍ للناي، وقررت حينها أن سأظل أعزف كلما قويت، لا لأهتدي فقد ضللت، ولا لأحيا فقد تُوفيت، ولكن ليزيد الألم فيلحق الجسد يوماً بالروح.
بتُ أعزف حتى يزيد الألم كِفلين من العذاب كل ليلةٍ، حتى اقترب الصوت الذي كان يدعونّي للهروب همساً فصار صراخاً مستصرخاً، دعاني للهروب ولأولِ مرةٍ أجبته، ولكن جواباً مُقتضباً، لا أقوى. فلم يزده نفوري إلا إستصراخاً وإصرارا، فكرت وحين شعر النَّاي أني لم أنفر، بدأ بالعزف، فتعجبت، كيف! زاد من عذوبة صوته، حتى رأيت الجنةَ التي اعتدت، فصرخ الصوت، وقال حَرِّقيه، فلم أجبه، شعرت أن حياتي ستعود كيف كانت، وأن قد شعر النّاي بي وأني لن أسمع أصواتاً تؤذيني مجدداً، ومع إطمئناني، عاد الصوت همساً يُكرر كلمةً واحدةً حتى أختفى، حَرِّقيه. وحين أختفى، انتشى النّاي ثم أنهى معزوفته وتركني ثانية مع الصُراخِ حولي، فعاد الصوت سريعاً، حَرِّقيه وأهربي، فوجدت أني أتحسس حولي، وأمسك به، لا لأهرب، فما كنت مؤمنةً بأن لي حياةً دونه، بل لأحرقه فأنتهي وتنتهي حياتي كما بدأت بنفس الجنة التى آراها. فلما أحرقته، بَصُرت عيناي، ووجدت جهنمَ حولي، ولم أرَ شيئاً من تلك الجنة التي صاغها النّايُ لي.

Saturday, 2 August 2014

ولعلك تدري

ولعلك تدري

على حافةِ منحدرٍ بقمة جبلٍ يبعد آلاف الأمتار عن الوادي، نمت زهرة ضَيُّها يفوق ضياء البدر تبعث أنواراً كالشفق بالسماء، حفيفها تغريدُ بلبلٍ مترنمٍ ومسكها نسيم يعطر الجبال والسفوح حولها.

أما أنا فأحيا بالوادِ، في كل ليلةٍ أسمعُ تغريداً بعيداً، أعرف منه أنه آذاناً لإشراق ذاك الشفق الذي وددت كل ليلةٍ أراه أن أعرف من أين يأتي. ولكن ذلك الصباح كان مختلفاً، لم أكتفِ برؤية تلك الأنوار مساءاً وأعجب من جمالها وأتأملها، بل ذهبت لأهلي لأسألهم عنها، فأخبروني أن تلك الأنوار لا تظهر إلا بالقطب وأن هذا سرابٌ لا محالة، أو أضغاث أحلامٍ، أو ربما جُننت وقد رأيت جناً - مع أصوات ضحكٍ وسخرية - ، فسألتهم عن الترنيم فقالوا إما ذاك الجن يبعث صوتاً - مع نفس ابتسامة السخرية - أو لعله عصفور يغرد بجوار نافذتك. لم أصدق، ولا أدرِ حقاً لمَ لم أصدق غير أني لم أصدق.
وعند غروب الشمس فتحت نافذتي على مصراعيها، وانتظرت حتى رَنَّم البلبل، وأُضِيئ المساء بأنوار الشفق،بحثت عن ذاك العصفور الذي يغرد بجوار نافذتي فلم أجده، تأملت السماء، وجئت بماء مثلجٍ أغرقت نفسي به ونظرت للمساءِ فوجدته على ضياءِه، لا أحد بوسعه منعي الآن، قد كانت رؤيتي حقاً، وسأتبع ذاك التغريد والضياء حتى أجد ضالتي.
لم أفكر لدقيقة حتى، ووجدتني أخرج مُقتادةٌ بالضياء لعله يهديني، وبعد ساعاتٍ أشرقت الشمس فكان آذاناً لغروب تلك الأنوار. مكثت بطريقي انتظر المساء حتى أتى، وأكملت مسيرتي حتى وصلت لجبلٍ عَلِّيّ، كان التغريد حينذاك شديداً وكلما اقتربت كان بوسعي إدراك تلك المعزوفة أكثر، معزوفةٌ لم تؤلف بوادينا، ولم أسمعها من ذي قبل، قررت صعود الجبل، وعند حافة منحدرٍ، مددت يدي لأمسك بصخرةٍ أو ما شابه لتجذبني إلى أعلى، فإذا بي أمسك بقطعٍ من اللهب أحرقت يدي، جذبتها بسرعة، وحينها دجا الليل وخرست المعزوفة ولم يتبقَ هنالك سوى صوت ظلامٍ مُخيف، تمالكت أنفاسي ومددت يدي مرة أخرى فلم تلتهب، وصعدت المنحدر وانتظرت على الجبل شروق الشمس.
وعند شروقها، تأملت حولي فلم أجد سوى زهرةٍ ذابلةٍ وفضاءٍ مريع، حينها أدركت أنه كان سراباً حقاً وأني من شدة ظمأي اتبعته حتى إذا جئته، لم أجده شيئا، عدت والحسرة والخيبة دائي وعلتي، لم أنبس ببنت شفة ودخلت غرفتي وانتظرت غروبَ الشمسِ، وحينها سمعت أنيناً خافتاً، خِلته السراب قد أنَّ أن خَيَّب رجائي. غَلَّقت نافذتي وأستاري، حتى لم أسمع له أنينا فيؤلمني.

وعلى حافةِ المنحدر، بقيت الزهرةٌ ملقاة تأن كلما آن المساء لا يسمع أنينها سواها، قد دَنت من المنحدر، تنتظر آن هبوبِ الرياحِ لتُجهِز عليها.