Saturday, 2 August 2014

ولعلك تدري

ولعلك تدري

على حافةِ منحدرٍ بقمة جبلٍ يبعد آلاف الأمتار عن الوادي، نمت زهرة ضَيُّها يفوق ضياء البدر تبعث أنواراً كالشفق بالسماء، حفيفها تغريدُ بلبلٍ مترنمٍ ومسكها نسيم يعطر الجبال والسفوح حولها.

أما أنا فأحيا بالوادِ، في كل ليلةٍ أسمعُ تغريداً بعيداً، أعرف منه أنه آذاناً لإشراق ذاك الشفق الذي وددت كل ليلةٍ أراه أن أعرف من أين يأتي. ولكن ذلك الصباح كان مختلفاً، لم أكتفِ برؤية تلك الأنوار مساءاً وأعجب من جمالها وأتأملها، بل ذهبت لأهلي لأسألهم عنها، فأخبروني أن تلك الأنوار لا تظهر إلا بالقطب وأن هذا سرابٌ لا محالة، أو أضغاث أحلامٍ، أو ربما جُننت وقد رأيت جناً - مع أصوات ضحكٍ وسخرية - ، فسألتهم عن الترنيم فقالوا إما ذاك الجن يبعث صوتاً - مع نفس ابتسامة السخرية - أو لعله عصفور يغرد بجوار نافذتك. لم أصدق، ولا أدرِ حقاً لمَ لم أصدق غير أني لم أصدق.
وعند غروب الشمس فتحت نافذتي على مصراعيها، وانتظرت حتى رَنَّم البلبل، وأُضِيئ المساء بأنوار الشفق،بحثت عن ذاك العصفور الذي يغرد بجوار نافذتي فلم أجده، تأملت السماء، وجئت بماء مثلجٍ أغرقت نفسي به ونظرت للمساءِ فوجدته على ضياءِه، لا أحد بوسعه منعي الآن، قد كانت رؤيتي حقاً، وسأتبع ذاك التغريد والضياء حتى أجد ضالتي.
لم أفكر لدقيقة حتى، ووجدتني أخرج مُقتادةٌ بالضياء لعله يهديني، وبعد ساعاتٍ أشرقت الشمس فكان آذاناً لغروب تلك الأنوار. مكثت بطريقي انتظر المساء حتى أتى، وأكملت مسيرتي حتى وصلت لجبلٍ عَلِّيّ، كان التغريد حينذاك شديداً وكلما اقتربت كان بوسعي إدراك تلك المعزوفة أكثر، معزوفةٌ لم تؤلف بوادينا، ولم أسمعها من ذي قبل، قررت صعود الجبل، وعند حافة منحدرٍ، مددت يدي لأمسك بصخرةٍ أو ما شابه لتجذبني إلى أعلى، فإذا بي أمسك بقطعٍ من اللهب أحرقت يدي، جذبتها بسرعة، وحينها دجا الليل وخرست المعزوفة ولم يتبقَ هنالك سوى صوت ظلامٍ مُخيف، تمالكت أنفاسي ومددت يدي مرة أخرى فلم تلتهب، وصعدت المنحدر وانتظرت على الجبل شروق الشمس.
وعند شروقها، تأملت حولي فلم أجد سوى زهرةٍ ذابلةٍ وفضاءٍ مريع، حينها أدركت أنه كان سراباً حقاً وأني من شدة ظمأي اتبعته حتى إذا جئته، لم أجده شيئا، عدت والحسرة والخيبة دائي وعلتي، لم أنبس ببنت شفة ودخلت غرفتي وانتظرت غروبَ الشمسِ، وحينها سمعت أنيناً خافتاً، خِلته السراب قد أنَّ أن خَيَّب رجائي. غَلَّقت نافذتي وأستاري، حتى لم أسمع له أنينا فيؤلمني.

وعلى حافةِ المنحدر، بقيت الزهرةٌ ملقاة تأن كلما آن المساء لا يسمع أنينها سواها، قد دَنت من المنحدر، تنتظر آن هبوبِ الرياحِ لتُجهِز عليها.

No comments:

Post a Comment