Wednesday, 6 August 2014

وطن الموتى

وطن الموتى

أفقت وبي الغُصة ذاتها التى لم تنته ولن تنتهي، ولأني بزمانٍ يُجبرني على النهوض ولو كنت مَيتَة، أفقتُ من كوابيس سُباتي، لألحق بكوابيس مماتي. نزلت قبل ميعادي بوقتٍ كافٍ، لأن لا أسمع محاضرةً عن الإلتزام بالمواعيد ببلدٍ لا يدركُ أهلها قيمةً للساعةِ إلا حين يتأخر عنهم من ينتظرون. نزلت وإستقليت الحافلة، وقررت أن لن أفكر بكلمةٍ مما عليّ أن أقول، وأني سأرتجل بميعادي ذاك، أخرجت سماعتي، وأستمعت إلى ما سيريح أعصابي قليلاً لأن لا أتهجم على أحدهم بذلك المعاد المشؤوم، فإني أُدرك أن ذلك معاد ظهور الحقائق وخلع الأقنعة، وتأملتُ بالطريق، فلم أجد سماءاً ولا ماءاً ولا أشجاراً فتأملت بسبب عناء ذلك الكوكب، الإنسان.
بعد قليلٍ من التأمل، سمعت صُراخاً أغيثونا أغيثونا، حدقت النظر لإتجاه الصوت فوجدت شاباً يجري بكل ما أوتي من قوةٍ والدماء مُلطِخة ثيابه ووجهه، والعالم حوله في تأملٍ ومشاهدةٍ كأنه مجرمٌ بفيلمٍ يتابعونه وليس مجرماً أمامهم، كلٌ منهم ينتظر من يجاوره أن يجري وراءه، وليس بنية أحدهم أن يخطو خطوةً خلفَ مُسلحٍ، صرخت من النافذة هو مفيش رجالة هتجري وراه وتمسكه! فلم يسمعني أحد، وكنت مخطأة حين صرخت فهم يسمعون الصراخ منذ أن دخل القاتل، ولم يُبدوا أي ردةِ فعلٍ سوى مشاهدةٍ متأنيةٍ، قررت النزول والجري بنفسي وراء ذاك المجرم، خلعت هذا الحذاءِ ذو الكعب العالي وجريت وراءه، أطلق رصاصه في الهواء ووجدت قوماً ورائي خلت أنهم أتوا ليساعدونّي، وكنت مخطأة فقد لحقوا بي حتى يُكمِلوا بقية المسرحية، حتى يتسنى لهم حكايتها على مواقع تواصلهم بكل تفاصيلها، أعياني الجري ووقعت على الأرض وهرب المجرم فعدت لمكان الحادث لأرى كيف الحال هناك، فوجدت أمرأةً تجاوز من العُمر الأربعين، يداها مقطعتين لإخراج ذهبها منها،والدماء تسيل منها وهي فاقدةٌ للوعي، سألت القوم حولي عن إذا كانوا قد طلبوا لها الإسعاف، فنظروا نظرات إندهاش وسطَ زهولِ كل من حولي وكأني طالبتهم بإحياء الموتى! أخرجت هاتفي، وأتصلت بالإسعاف فقالوا أن يجب عليّ الإنتظار ساعة أو اثنتين حتى يأتوا، وكأني واقفةٌ بطبورٍ للخبز عليّ إنتظار دوري، وكأن على الموتِ أن ينتظر ريثما تأتي سيارةُ الإسعاف! ما كان بيدي ولا بيدها سوى الإنتظار حتى تأتي السيارة، وحين أتت لتأخذها سمعت دقات هاتفي، الإتصال رقم عشرة، أهاا لقد تأخرت عن موعدي، رددت عليهم الطريق واقف ساعة وهوصل بعد فاصلٍ من الإهانات، سمعتها وكأني لم أسمعها أغلقت الهاتف لأن لا يتصلوا مرة أخرى.
ركبت حافلةً أخرى، بعد أن رحلت سيارة الإسعاف، أخرجت السماعات وأرتديت الحذاء مجدداً ثم تأملت بالطريق ثانيةً، كان بطريقي إشارةً طويلة وقفناها، ثم إذا بي أسمع صوت سيارة إسعافٍ قادمة من خلفنا تشير لشرطي المرور بأنها هنا وعليه أن يفتح لها الطريق، ولكن كان يبدو أن تلك السيارة تطلب معجزةً كونية أو أن مِزاج الباشا لم يكن جيداً ليسمع تلك السرينة فصرخ في وجه سائقها ما خلصنا، عرفنا أن فيه زفت عربية إسعاف أطيرلك العربيات قدامك عشان تعدي سيادتك! وسط زهولٍ مني على ذلك المشهد، وجدت ذلك السائق يعتذر للباشا ويغلق السارينة وينتظر معنا في الطريق بهدوء! بعد دقائق فُتحت الإشارة وأغلقها الشرطي قبل أن تمر سيارة الإسعاف نكايةً بالسائق الذي أزعجه وكأن على المريض تحمل المرض ومزاج الباشا وقلة حيلة السائق. وصلت بالحافلة لأكثر الأماكن إزدحاماً بطريقي، أمام مستشفى حكومي.
رأيت هنالك مرضى على إختلاف أعمارهم إلا أن هناك عاملٌ واحد مشترك بهم، كلهم بهم نفس الأسى والبؤس على ما دار عليهم من الدوائر وما نال الزمن به منهم. رأيت أباً يحمل ابنته الرضيعة وقد لف عُصبةً على عيناها وعينه قد غشّاها الدمعُ، ورأيت أماً تحمل مراهقاً قد أصابه شللٌ كُلي وظهرها محنيٌ من ثقله وتمسك بيديه تقبلها، ثم تضعه على سيارةٍ لترتاح قليلاً فتقبل وجهه، وتحضنه حتى يأتي مالك تلك السيارةِ فيهينها ويُعنِّفها، فتحمله لتكمل طريقها للمشفى، ثم وجدت أمرأة قد أصابها من الهِرم أن تحسب أنها راكعةً طوال طريقها، ليس معها من يسند عجزها. مكثت بالطريق كما لم أمكث من قبل ووجدت ألواناً سوداء من المرضى، حتى وصلت للباب الرئيسي لتلك المستشفى، فوجدت سيارةً للموتى وراءها سوادٌ من الناس يصرخون، فلم ألبث إلا أن وجدت نفسي وراءهم أبكي لصُراخهم، ثم دفعتي نفسي لأدخل ذلك الصرح، فوجدت الممرضات يتضاحكون ويتسامرون بأحداث المسلسل، ووجدت أهلَ مرضى يضعون أيديهم في جيوبهم ليراضوا ممرضات فيقمن بمهامهن، ووجدت عجز من قصرت يداهم ومكوثهم على أرض المشفى يبكون ويدعون. سرت بالطرقات فوجدت الطبيب يولد إمرأةً شابةً بها لإزدحام غرف العمليات وغرف المرضى، والدماء تسيل في كل مكان. كان مكاناً يشبه المقابر، لم أتحمل ذاك الموت فهربت.
استقليت حافلةً ثالثة، وأنا في ذهولٍ تام، وجدت مقعداً فارغاً فجلست، ورأيت من نافذتي مراهقةً قُطعت يدٌ لها، ربما في حادثٍ كتلك السيدة ويدها الأخرى تبيع المناديل في الإشارات، ثم صعد رجلٌ أعمى يتحسس الممر حتى يحن عليه من سيجلسه فلم يجد، قمت له، ثم وجدت سيدةً مسنة منحنيةً كأختها خلفي، لم يتكرم أحدٌ من الجلوس بأن يقوم لها، حتى أنا فلم ألحظها وأنا منهم. رجعت إلى آخر الحافلة، وتأملت بالرُكاب أمامي وحولي فوجدت أني هنا بمقابر أخرى، لم أتحمل وقد كان يبعدني عن مكان موعدي بضعة دقائق قلت سأمشيها، وحين نزلت استقبلني صِراع وسباب مُلاك السيارات فكلٌ منهم يجد أن هذا حقه في المرور بشارع ليس له معالم ولا تعرف أي منهم يمشي على الصواب ومن منهم على الخطأ. جريت حتى وصلت لميعادي، بعدها بساعتين، سمعت محاضرةً كنت أحيا لأتجنبها، ولم أجب لأني أدري أن الحال الذي إلنا إليه ليس لفساد منظومةٍ أو طائفة، ولكن فسادٌ استشرى وقلوب أُميتت ولو كنت شرحت ما رأيت لسمعت جملة وأنتِ مالك! لم أشق على نفسي عناء سماعها واعتذرت عن تأخري بأني قد استيقظت متأخرة والطريق كان واقفاً وجلست، تركتهم يكملوا محاضرتهم ثم واصلوا حديثهم من حيث توقفوا، ولم أسمع لصراخهم همساً، لم يكن يشغلني سوى سؤالٍ واحد، كيف يحيا الناس كذلك وأنا ما بي نصف عجزهم، لا أحيا؟ أم أنّا صرنا كلنا بأرضٍ للموتى؟

No comments:

Post a Comment