Tuesday, 5 August 2014

النَّاي

النَّاي

على جزيرةٍ تائهةٍ، جلستُ قربَ الشاطئِ وانتظرتُ صوتَ المساء. مَدَّت يداي وتحسستُ النَّايَ جواري، والتقطت أنفاسي، وبدأت العزفَ منذ لحنِ البداية. سِرتُ مهتديةً بسِحرهِ، فكلما عزفتُ به لحناً ينتشي ويُبصُر لي ويقودني نحو المجهول من تلك الجزيرة، ومن توقف نغمته، أدرك أن هنالك خطراً أو أن  قد آن الشروق وعليَّ الرجوع. عشقت المكان كيفَ صَوَّرهُ لي، ولم يزعجني إلا صوتُ همسٍ بعيدٍ يدعونّي للهروب، كلما أقترب أخرسته، أو قل أخرسه نايّي وآثرَ أن يُسلكني سبلاً تُبعدني عنه. عِشتُ كذلك سنينا، حتى صرت أؤمن بأن لن تكون لي حياةٌ بدون ذلك النَّاي، وأن ليس لي مفرٌ من تلك الجنةَ المسكونة.

حتى آن أوان أن تضيق عليَّ أنفاسي، كنت أعرف بأن سيأتي، ولكن أبداً ما علمت ما عساي لأفعل حينها. حاولت الشهيق ثم الزفير فشَّقَ عليَ، جمعت كل ما استحكمت عليه من القوى وحاولت إخراخ أنفاسي لأعزف، فلم أسمع له إنشاداً ، وعَلَى ذلك الصوت البعيد وزاد عليه صوتُ ألمٍ وأنينٍ كان كأنه صُراخاً بعيداً يقترب، وكلما أقترب، زاد ضيق أنفاسي وبات العزف حينها مُعجزةً بزمنٍ ولَّت عنه المُعجزات. ادخرت من أنفاسي، لأستجمعها قوية، ولكن كلما حبستها، اقترب الصُراخ، وشقَّ العزف. حاولت وعجزت، حاولت بقوة أكبرَ ثانيةً، فسمعت إنشاداً باهتاً، أُضَلُ به ولا أهتدي. 
توقفت.
وحتى عن الصراخ، عجزت.
فلم أجد بُداً من البكاء، فبكيت.
ثم للنّاي توسلت.
ولكنه لم يَكن للتوسلات سامعاً، أو لعله ليسَ مجيبا. لم يشعر بعَبَراتي، ولم يكن لينجدني من دون أنفاسي، حبست أنفاسي ثانية، ثم، بعدَ دقائقَ عزفت، فلم أسمع هداً، ولم يزد حبسي للأنفاس إياي إلا زيادةً بصوتِ الألم، وصوتاً كان همساً بعيداً، اقترب. مِت كذلك ليالٍ داكنة، وما كان بوسعي إلا إدخار أنفاسي لليالٍ، فأحيا بها ليلةً واحدة، ليلة لم يكن هداها مُخرساً للصُراخ حولي، ولكني تحملت،   تحملت حتى عَجزت وجَزِعت، آلمني النَّاي حتى أعود للإدخار، فعدت. وأدري أني لا أدري أي شئٍ من المعقول إلا أنني لم أقوَ على إيلامه لي، وقد أتحمل الصُراخ وإنقطاع الأنفاس ومرارتي وبأسي وحسرتي وتجاهله لذاك كله، ولا أتحمل أن أرى مُرشدي يوماً هو مؤلمي. ولكني، ومن فرط ضعفي، عزفت لحناً أنتشاه ولم يُبصرني، بل وزاد الألم ضعفاً من العذاب، وأستمررت بالعزف حتى انقطعت أنفاسي، وشعرت بإرتياحٍ للناي، وقررت حينها أن سأظل أعزف كلما قويت، لا لأهتدي فقد ضللت، ولا لأحيا فقد تُوفيت، ولكن ليزيد الألم فيلحق الجسد يوماً بالروح.
بتُ أعزف حتى يزيد الألم كِفلين من العذاب كل ليلةٍ، حتى اقترب الصوت الذي كان يدعونّي للهروب همساً فصار صراخاً مستصرخاً، دعاني للهروب ولأولِ مرةٍ أجبته، ولكن جواباً مُقتضباً، لا أقوى. فلم يزده نفوري إلا إستصراخاً وإصرارا، فكرت وحين شعر النَّاي أني لم أنفر، بدأ بالعزف، فتعجبت، كيف! زاد من عذوبة صوته، حتى رأيت الجنةَ التي اعتدت، فصرخ الصوت، وقال حَرِّقيه، فلم أجبه، شعرت أن حياتي ستعود كيف كانت، وأن قد شعر النّاي بي وأني لن أسمع أصواتاً تؤذيني مجدداً، ومع إطمئناني، عاد الصوت همساً يُكرر كلمةً واحدةً حتى أختفى، حَرِّقيه. وحين أختفى، انتشى النّاي ثم أنهى معزوفته وتركني ثانية مع الصُراخِ حولي، فعاد الصوت سريعاً، حَرِّقيه وأهربي، فوجدت أني أتحسس حولي، وأمسك به، لا لأهرب، فما كنت مؤمنةً بأن لي حياةً دونه، بل لأحرقه فأنتهي وتنتهي حياتي كما بدأت بنفس الجنة التى آراها. فلما أحرقته، بَصُرت عيناي، ووجدت جهنمَ حولي، ولم أرَ شيئاً من تلك الجنة التي صاغها النّايُ لي.

No comments:

Post a Comment